فخر الدين الرازي
138
تفسير الرازي
لا يذهب عقولهم أي لا يسكرون يقال نزف الرجل فهو منزوف ونزيف ، والمعنى ليس فيها قط نوع من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من صداع أو خمار أو عربدة ولا هم يسكرون أيضاً ، وخصه بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر ، ولما ذكر الله تعالى صفة مشروبهم ذكر عقيبه صفة منكوحهم من ثلاثة أوجه الأول : قوله : * ( وعندهم قاصرات الطرف ) * ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى : * ( حور مقصورات في الخيام ) * ( الرحمن : 72 ) والمعنى أنهن يحبسن نظرهن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن . الصفة الثانية : قوله تعالى : * ( عين ) * قال الزجاج : كبار الأعين حسانها واحدها عيناء . الصفة الثالثة : قوله تعالى : * ( كأنهن بيض مكنون ) * المكنون في اللغة المستور يقال كننت الشيء وأكنته ، ومعنى هذا التشبيه أن ظاهر البيض بياض يشوبه قليل من الصفرة ، فإذا كان مكنوناً كان مصوناً عن الغبرة والقترة ، فكان هذا اللون في غاية الحسن والعرب كانوا يسمون النساء بيضات الخدور . ولما تمم الله صفات أهل الجنة قال : * ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) * فإن قيل على أي شيء عطف قوله : * ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) * ؟ قلنا على قوله : * ( يطاف عليهم ) * والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراء قال الشاعر : وما بقيت من اللذات إلا * محادثة الكرام على المدام والمعنى فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا . قوله تعالى * ( قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الاُْولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى كما ذكر في أهل الجنة أنهم يتساءلون عند الاجتماع على